الخطّاطة نسرين التُّركي: التَّقنية وسيلةٌ ضروريّةٌ لتطوّر الخطّ العربيّ، لكنّها لا تنتج فنًّا مستقلًّا

حوار: أحمد محمّد نور – المدينة المنوّرة
ينطوي فن الخطّ العربي على إرثٍ عريقٍ من الجمال، وماضٍ غني بالابتداع، وإنّ المهتمّ بتاريخ هذا الفن يجد أمارةً واضحةً على عبقريّة أسلافنا في ابتكار الفنون وتنميتها، ويجد فيه أيضًا صورةً ناطقةً تعبّر عن مدى التزام هؤلاء المبدعين بالدِّقة الرياضية والهندسيّة في الرَّسم، وبالاستناد إلى هذا التّاريخ نجد أنّ الخطّ حظي بالاهتمام منذ عهدٍ مبّكرٍ في حضارتنا الإسلامية، على أنّ بعض المؤرخين يذكرون الوزير ابن مقلة - الذي ولي الوازرة ثلاث مرات لثلاثة من خلفاء بني العبّاس- في معرِض الإشادة الخاصة، وينسبون إليه الرِّيادة الإبداعية، كونه أول من وضع مصنفًا في الخط العربي ذكر فيه مصطلحات هذا الفن.
قال مؤلف صبح الأعشى: " ثم انتهت جودة الخط وتحريره على رأس الثلاث مئة إلى الوزير أبي علي محمد بن علي بن مقلة، وهو الذي هندس الحروف وأجاد تحريرها وعنه انتشر الخط في مشارق الأرض ومغاربها"
وقال عنه ياقوت الحموي: "كان الوزير أوحد الدنيا في كتبه قلم الرقاع والتوقيعات، لا ينازعه في ذلك منازع، ولا يسمو إلى مساماته ذو فضل بارع"
ووصف الثعالبي خطّ ابن مقلة بأنّه: "يُضرب مثلاً في الحسن، لأنّه أحسن خطوط الدنيا، وما رأى الراؤون بل ما روى الراؤون مثله".
ومن الأبيات الدَّالة على كمال ابن مقلة في صنعة الخط، ما قاله شاعر قديم في وصف الكمالات الإنسانيّة التي يندر اجتماعها في المرء:
فصاحة حسّان وخط ابن مقلةٍ...وحكمة لقمان وزهد ابن أدهم
إذا اجتمعت في المرء والمرء مفلسٌ...ونودي عليه لا يباع بدرهم
صوت المدينة ولجت محراب هذا الفن، مع الخطّاطة الأكاديمية، وأستاذة علم الحديث في جامعة طيبة، نسرين التُّركي، لتعرّف القرّاء الكرام على تجربتها الفنّية مع الحرف العربي، فكان معها هذا الحوار:
* بداية نودّ منك أن تعرفي بنفسك إلى القرّاء.
- نسرين التركي، محاضرة، وباحثة في مرحلة الدكتوراه، ومدربّة في الخط العربي والتَّنمية البشرية.
* متى شرعت في تعلّم الخط العربي؟ هل استولى عليك الشغف منذ سنوات الطفولة أم نما متأخرًّا مع انفجار الثورة التقنيّة وما صاحبها من تطور في أساليب التعليم والتدريب عن بعد؟
- كان خطي جميلًا منذ المرحلة الابتدائية، لكنّي لم أتعلم الخط كفنٍّ مستقلٍّ إلا قبل 4 سنوات تقريبًا، والسبب في ذلك هو أنَّني اكتشفت أنّ لهذا الفن قواعد وميزانًا دقيقًا وعلومًا كثيرة تتعلق به، لم يسبق لي معرفتها إلا من خلال البحث والتنقيب لتطوير مهارة الخط عندي.
* لو ذكرت لنا أبرز الخطّاطين الذين تتلمذت على أيديهم، وكان لهم أثر كبير في صقل موهبتك وتطوّر أسلوبك؟
- الدكتور عثمان طه.
- الأستاذ زكي الهاشمي
- الأستاذ أميد رباني.
* نقل مالكوم جلادويل في كتابه "الاستثنائيون" عن عالم النفس أنديرز إريكسون، تجربة واقعية أجريت على أطفال متدربين، بدأوا في تعلّم العزف على الكمان في سنّ الخامسة، وحين بلغ هؤلاء الأطفال سنّ العشرين أكمل بعضهم عشر آلاف ساعة تدريبية، وهؤلاء وحدهم هم الذين ذاع صيتهم ولمع نجمهم فيما بعد، وبالاستناد إلى هذه التجربة مال المؤلف إلى رأي من يقول بأن سرّ تميز المبدعين عن أقرانهم هو التدريب المكثّف وليس الموهبة الفطريّة. هل تسري هذه القاعدة في تعلّم الخط إلى حد أن إتقانه يستغرق عقدًا أو عقدين من عمر الإنسان؟
- بلا شك، الخطّاط لا يصبح خطاطًّا متمرّسًا في هذا الفن إلا بالتَّدريب المستمر وإلا فقد مهارته وليونة يده في التَّحكم بالقلم.
فن الخط العربي هو من الفنون المكتسبة وليس موهبةّ فطرية، وقدرات الإنسان تتفاوت من شخص لآخر، فبعضهم يتقن الخط في فترة وجيزة، وبعضهم لا يتقن إلا حروفًا قليلة في سنوات عديدة، والسبب يرجع إلى مدى استيعابه للقواعد وذكائه البصري ودقة ملاحظته.
* ما سر ولعك بالخط الفارسي الذي لا يحظى بالاهتمام من قبل الخطاطين العرب كما هو عند الإيرانيين؟ وهل تفضلين مدرسة فنيّة على أخرى لأسباب ذوقيّة؟
- يرجع اهتمامي بالخط النّستعليق (الفارسي) إلى اهتمامي القديم بحضارة فارس، فهي من أكبر الفتوحات الإسلامية، ولقلّة نبوغ العرب في هذا الخط، والتصاق بعض المعلومات الخاطئة به، أردت أن أتميّز فيه، وشغف الإنسان حيث يجده لا حيث يصنعه، وكنت أتأملّ هذا الخط لفترة من الزمن، فمالت عيناي إلى سحره وانسيابته الرَّقراقة التي تناسب ذوقي وشخصيتي، وخاصة المدرسة الفارسية ففيها رشاقة ساحرة.
* يمنح الخطاطون الكبار تلاميذهم البارعين شهادة تعرف ب"الإجازة"، ما أهمية الإجازة؟ وهل هي معيارٌ لجودة الخط؟
- الإجازة في كل العلوم الآن تعتبر (شرفيَّة)، وتُعّرف الإجازة بأنَّها السَّند المتَّصل إلى كتبة الوحي، وهذا الشرط لا يتحقق في إجازات الخط – إن أردنا الدقة والحقيقة-، وعلى بعض الآراء الأخرى فالإجازة تعتبر الشَّهادة العالية في الخط الذي يستطيع به الخطّاط الآن وضع توقيعه على أعماله، وبهذا الشَّرط يعتبر الأمر غير رسمي، فقد رأينا الكثير من الخطاطين، بل ومن التلاميذ من يوقّعون بأسمائهم بدون حصولهم على الإجازة، فهي إذًا مرتبةٌ شرفية لا أكثر.
* يقول بعضهم: هناك تفاضل بين الخطوط العربية من حيث صعوبة التعلم، ومن حيث الجمال الشكلي، فثمّة خطوط تلائم المبتدئين وأخرى لا يقدم عليها إلا المتقدّمون. ما صحّة هذه المقولة؟
- نعم هذا صحيح، ويبقى الأساس قدرات الفرد نفسه في الإتقان، لكن بالنَّظر إلى القواعد، فهناك خطوط قواعدها بسيطة وظاهرة كالرُّقعة، وهناك خطوط قواعدها أدقّ وتتطلَّب مهارات عالية.
* هناك برامج حاسوبيّة مثل: برنامج kelk وبرامج أخرى يستخدمها بعض الخطاطيّن في وصل الأحرف، أو اجتزائها من اللوحات المميزة لكبار الخطّاطين. هل تؤيدين استخدام هذه التقنيات الجديدة؟ وما هي نظرتك الاستشرافية لمستقبل الخط في ظل تقدّم علم الآلة وتقنيات الذكاء الاصطناعي؟
- نعم أؤيد، واستخدام التقنية أمر ضروري لتطوّر العلوم، والخطُّ ضمن العلوم التي تحتاج إلى تطويرٍ لمواكبة العصر، ومن أهم المهمّات تطوير أدواته والتعامل معه، ومبدأي أنّ أيّ وسيلة تؤدي إلى نتائج نافعة فهي وسيلة سليمة، والتَّقنية لن تحل أبداً محلَّ فنّ الخط العربي الذي أساس إنتاجه الرُّوح الإنسانيّة المرتبطة بالمعاني والأحاسيس، فأنَّى للتقنية أن تحلّ محلّه؟
التَّقنية تساعد على تطوير وتذييل بعض المهمّات للخطّاطّين نعم، لكن التَّقنية لا يمكن أن تنتج فنًا مستقلاً بذاته.
* برزت أسماء نسائية واعدة في عالم الخط، وصرنا نلحظ نشاطا استثنائيا للخطّاطات على مواقع التواصل (تويتر وإنستغرام). كيف تقيمين التجربة النسائية مع الحرف العربي؟
- النِّساء عنصرٌ هام في أيّ حضارة، ولطالما كانت المرأة لها دورٌ أساسيُّ في العلم والفنّ، ففن الخطّ العربي ليس حكرًا على الرِّجال كما يظن بعضهم، وأثبتت المرأة نفسها في هذا الفن، وأنتجت أعمالًا فنيّةً تنافس فيها الرجال، ونأمل المزيد من الأسماء التي تبرز في هذا الفن، ولا يتأتّى ذلك إلا بتكاتف الجهود.
* لا شك أنك تحرصين على متابعة آخر اللوحات الإبداعية لكبار الخطّاطين والخطّاطات داخل المملكة وخارجها. من بين تلك الأسماء الرنّانة من يستدعي فضولك الفنّي؟
- هنالك الكثير من الأسماء التي يصعب حصرها، ولكلّ خطّاطٍ أسلوبه في إبراز جمال الخط العربي، والعاشق لهذا الفنّ لا يحكر نفسه على أسماء معيّنة بل يتتبّع مقومّات الجمال في كلّ لوحة تقع ناظريه عليها.
* يصرف بعض الخطّاطين شطرًا من وقتهم في إنجاز مشاريع كتابية طويلة الأمد، فبعضهم ينصرف لكتابة السور القرآنيّة، وفريق منهم يعتني بكتابة القصائد العربيّة.. هل خضت تجربة كتابية من هذا النوع؟ وماذا عن مشاريعك المستقبلية بالنسبة إلى المدى القريب أو المدى البعيد؟
- يختلف الخطاطون في توجّهاتهم، فمنهم من يفضل كتابة القُصاصات القصيرة، ومنهم من يهوى كتابة النُّصوص الطَّويلة، وبالنِّسبة لي متى ما تذوّقت معنىً جميلًا تحفزّت يداي لكتابته ليكتمل جمال المبنى والمعنى، وفي النِّية مشروعان سيُحدثان نقلةً نوعية في مفهوم الخطّ العربي وتذوقّه للجمهور إن شاء الله.
* هل ظفرت بجوائز تقديرية خلال مسيرتك الإبداعية، وما هي المسابقات واللجان التحكيمية التي تحملين عضويتها؟
- لم أشارك لحدّ الآن في أيّ مسابقة، وإن كنت شاركت في عضويّة لجنة التحكيم ثلاث مرّات:
1- في المشروع الوطني للثّقافة والفنون بإشراف وزارة التعليم (مسار الخط العربي والزّخرفة).
2- في معرض (عتبات ملوّنة) الذِّي أقيم بمعرض الكتاب الدولي بجدة 2017.
3- معرض (بيهانس) العالمي 2018.
أما الجوائز التقديرية، فقد حصلت على بعضها من الجهات التالية:
- الهيئة العامة للسِّياحة والآثار، لإلقاء محاضرة عن الخط العربي في اليوم العالمي للغة العربية 2017.
- هيئة تطوير المدينة المنورة في ملتقى الخط العربي الدولي 2018 لإلقاء محاضرة بعنوان: (التَّجربة الجمالية والموقف الفنّي).
- جمعية واعي للخدمات الاجتماعية، لإقامة ورشة عن تحسين الخط العربي 2018.
- شهادة شكر وتقدير من قسم التربية الفنية في جامعة طيبة (نادي الفنون).
وأعتبر مُقلّة في الظهور مؤخرًّا.
* على صعيد آخر، نلحظ اهتمامك بالشعر والأدب، ولديك عناية بعلوم الحديث بحكم الاختصاص الأكاديمي، ما موقع هذه الاهتمامات في حياتك، وكيف تجمعين بينها؟
- أهتم بالشعر والأدب لتذوّقي اللَّغة العربيّة، وتخصصي الأساس في السُّنة النبوية وعلومها، وحاليًا أعدّ رسالة الدكتوراه فيها، وأدّرس في الجامعة، وكل هذه الاهتمامات ترتبط ببعضها، فهي تخدم المعارف الإنسانيّة، وأكتشف من خلالها الجوهر الإنساني الفريد، الذي اهتمّ به الدِّين والفن.
وإن كان التَّخصص هو الذي يأخذ جلّ وقتي، وهذا سبب قلّة ظهوري نوعًا ما في ساحة الخط العربي.
* ثلاث رسائل موجزة.. لمن توجّهينها؟
- أوجه رسالتي الأولى لكلِّ هاوٍ للخط العربي: لا تستغن عن الأستاذ والتدريب، وأوجد لك رسالة لخدمة هذا الفن.
والثانية للخطّاطّة الفنّانة: ما أحوج النِّساء اليوم إلى تعلّم الخط العربي، فذلّلي السُّبل لهنّ، واصنعي بصمة في عالم الخط العربيّ.
والثالثة لكلّ خطّاط: فنُّك لن يظهر إلا بروحك الحقيقية، فحرِّر عقلك وأطلق العنان لروحك، لتحيي الفن وتنشر الجمال.

ينطوي فن الخطّ العربي على إرثٍ عريقٍ من الجمال، وماضٍ غني بالابتداع، وإنّ المهتمّ بتاريخ هذا الفن يجد أمارةً واضحةً على عبقريّة أسلافنا في ابتكار الفنون وتنميتها، ويجد فيه أيضًا صورةً ناطقةً تعبّر عن مدى التزام هؤلاء المبدعين بالدِّقة الرياضية والهندسيّة في الرَّسم، وبالاستناد إلى هذا التّاريخ نجد أنّ الخطّ حظي بالاهتمام منذ عهدٍ مبّكرٍ في حضارتنا الإسلامية، على أنّ بعض المؤرخين يذكرون الوزير ابن مقلة - الذي ولي الوازرة ثلاث مرات لثلاثة من خلفاء بني العبّاس- في معرِض الإشادة الخاصة، وينسبون إليه الرِّيادة الإبداعية، كونه أول من وضع مصنفًا في الخط العربي ذكر فيه مصطلحات هذا الفن.
قال مؤلف صبح الأعشى: " ثم انتهت جودة الخط وتحريره على رأس الثلاث مئة إلى الوزير أبي علي محمد بن علي بن مقلة، وهو الذي هندس الحروف وأجاد تحريرها وعنه انتشر الخط في مشارق الأرض ومغاربها"
وقال عنه ياقوت الحموي: "كان الوزير أوحد الدنيا في كتبه قلم الرقاع والتوقيعات، لا ينازعه في ذلك منازع، ولا يسمو إلى مساماته ذو فضل بارع"
ووصف الثعالبي خطّ ابن مقلة بأنّه: "يُضرب مثلاً في الحسن، لأنّه أحسن خطوط الدنيا، وما رأى الراؤون بل ما روى الراؤون مثله".
ومن الأبيات الدَّالة على كمال ابن مقلة في صنعة الخط، ما قاله شاعر قديم في وصف الكمالات الإنسانيّة التي يندر اجتماعها في المرء:
فصاحة حسّان وخط ابن مقلةٍ...وحكمة لقمان وزهد ابن أدهم
إذا اجتمعت في المرء والمرء مفلسٌ...ونودي عليه لا يباع بدرهم
صوت المدينة ولجت محراب هذا الفن، مع الخطّاطة الأكاديمية، وأستاذة علم الحديث في جامعة طيبة، نسرين التُّركي، لتعرّف القرّاء الكرام على تجربتها الفنّية مع الحرف العربي، فكان معها هذا الحوار:
* بداية نودّ منك أن تعرفي بنفسك إلى القرّاء.
- نسرين التركي، محاضرة، وباحثة في مرحلة الدكتوراه، ومدربّة في الخط العربي والتَّنمية البشرية.
* متى شرعت في تعلّم الخط العربي؟ هل استولى عليك الشغف منذ سنوات الطفولة أم نما متأخرًّا مع انفجار الثورة التقنيّة وما صاحبها من تطور في أساليب التعليم والتدريب عن بعد؟
- كان خطي جميلًا منذ المرحلة الابتدائية، لكنّي لم أتعلم الخط كفنٍّ مستقلٍّ إلا قبل 4 سنوات تقريبًا، والسبب في ذلك هو أنَّني اكتشفت أنّ لهذا الفن قواعد وميزانًا دقيقًا وعلومًا كثيرة تتعلق به، لم يسبق لي معرفتها إلا من خلال البحث والتنقيب لتطوير مهارة الخط عندي.
* لو ذكرت لنا أبرز الخطّاطين الذين تتلمذت على أيديهم، وكان لهم أثر كبير في صقل موهبتك وتطوّر أسلوبك؟
- الدكتور عثمان طه.
- الأستاذ زكي الهاشمي
- الأستاذ أميد رباني.
* نقل مالكوم جلادويل في كتابه "الاستثنائيون" عن عالم النفس أنديرز إريكسون، تجربة واقعية أجريت على أطفال متدربين، بدأوا في تعلّم العزف على الكمان في سنّ الخامسة، وحين بلغ هؤلاء الأطفال سنّ العشرين أكمل بعضهم عشر آلاف ساعة تدريبية، وهؤلاء وحدهم هم الذين ذاع صيتهم ولمع نجمهم فيما بعد، وبالاستناد إلى هذه التجربة مال المؤلف إلى رأي من يقول بأن سرّ تميز المبدعين عن أقرانهم هو التدريب المكثّف وليس الموهبة الفطريّة. هل تسري هذه القاعدة في تعلّم الخط إلى حد أن إتقانه يستغرق عقدًا أو عقدين من عمر الإنسان؟
- بلا شك، الخطّاط لا يصبح خطاطًّا متمرّسًا في هذا الفن إلا بالتَّدريب المستمر وإلا فقد مهارته وليونة يده في التَّحكم بالقلم.
فن الخط العربي هو من الفنون المكتسبة وليس موهبةّ فطرية، وقدرات الإنسان تتفاوت من شخص لآخر، فبعضهم يتقن الخط في فترة وجيزة، وبعضهم لا يتقن إلا حروفًا قليلة في سنوات عديدة، والسبب يرجع إلى مدى استيعابه للقواعد وذكائه البصري ودقة ملاحظته.
* ما سر ولعك بالخط الفارسي الذي لا يحظى بالاهتمام من قبل الخطاطين العرب كما هو عند الإيرانيين؟ وهل تفضلين مدرسة فنيّة على أخرى لأسباب ذوقيّة؟
- يرجع اهتمامي بالخط النّستعليق (الفارسي) إلى اهتمامي القديم بحضارة فارس، فهي من أكبر الفتوحات الإسلامية، ولقلّة نبوغ العرب في هذا الخط، والتصاق بعض المعلومات الخاطئة به، أردت أن أتميّز فيه، وشغف الإنسان حيث يجده لا حيث يصنعه، وكنت أتأملّ هذا الخط لفترة من الزمن، فمالت عيناي إلى سحره وانسيابته الرَّقراقة التي تناسب ذوقي وشخصيتي، وخاصة المدرسة الفارسية ففيها رشاقة ساحرة.
* يمنح الخطاطون الكبار تلاميذهم البارعين شهادة تعرف ب"الإجازة"، ما أهمية الإجازة؟ وهل هي معيارٌ لجودة الخط؟
- الإجازة في كل العلوم الآن تعتبر (شرفيَّة)، وتُعّرف الإجازة بأنَّها السَّند المتَّصل إلى كتبة الوحي، وهذا الشرط لا يتحقق في إجازات الخط – إن أردنا الدقة والحقيقة-، وعلى بعض الآراء الأخرى فالإجازة تعتبر الشَّهادة العالية في الخط الذي يستطيع به الخطّاط الآن وضع توقيعه على أعماله، وبهذا الشَّرط يعتبر الأمر غير رسمي، فقد رأينا الكثير من الخطاطين، بل ومن التلاميذ من يوقّعون بأسمائهم بدون حصولهم على الإجازة، فهي إذًا مرتبةٌ شرفية لا أكثر.
* يقول بعضهم: هناك تفاضل بين الخطوط العربية من حيث صعوبة التعلم، ومن حيث الجمال الشكلي، فثمّة خطوط تلائم المبتدئين وأخرى لا يقدم عليها إلا المتقدّمون. ما صحّة هذه المقولة؟
- نعم هذا صحيح، ويبقى الأساس قدرات الفرد نفسه في الإتقان، لكن بالنَّظر إلى القواعد، فهناك خطوط قواعدها بسيطة وظاهرة كالرُّقعة، وهناك خطوط قواعدها أدقّ وتتطلَّب مهارات عالية.
* هناك برامج حاسوبيّة مثل: برنامج kelk وبرامج أخرى يستخدمها بعض الخطاطيّن في وصل الأحرف، أو اجتزائها من اللوحات المميزة لكبار الخطّاطين. هل تؤيدين استخدام هذه التقنيات الجديدة؟ وما هي نظرتك الاستشرافية لمستقبل الخط في ظل تقدّم علم الآلة وتقنيات الذكاء الاصطناعي؟
- نعم أؤيد، واستخدام التقنية أمر ضروري لتطوّر العلوم، والخطُّ ضمن العلوم التي تحتاج إلى تطويرٍ لمواكبة العصر، ومن أهم المهمّات تطوير أدواته والتعامل معه، ومبدأي أنّ أيّ وسيلة تؤدي إلى نتائج نافعة فهي وسيلة سليمة، والتَّقنية لن تحل أبداً محلَّ فنّ الخط العربي الذي أساس إنتاجه الرُّوح الإنسانيّة المرتبطة بالمعاني والأحاسيس، فأنَّى للتقنية أن تحلّ محلّه؟
التَّقنية تساعد على تطوير وتذييل بعض المهمّات للخطّاطّين نعم، لكن التَّقنية لا يمكن أن تنتج فنًا مستقلاً بذاته.
* برزت أسماء نسائية واعدة في عالم الخط، وصرنا نلحظ نشاطا استثنائيا للخطّاطات على مواقع التواصل (تويتر وإنستغرام). كيف تقيمين التجربة النسائية مع الحرف العربي؟
- النِّساء عنصرٌ هام في أيّ حضارة، ولطالما كانت المرأة لها دورٌ أساسيُّ في العلم والفنّ، ففن الخطّ العربي ليس حكرًا على الرِّجال كما يظن بعضهم، وأثبتت المرأة نفسها في هذا الفن، وأنتجت أعمالًا فنيّةً تنافس فيها الرجال، ونأمل المزيد من الأسماء التي تبرز في هذا الفن، ولا يتأتّى ذلك إلا بتكاتف الجهود.
* لا شك أنك تحرصين على متابعة آخر اللوحات الإبداعية لكبار الخطّاطين والخطّاطات داخل المملكة وخارجها. من بين تلك الأسماء الرنّانة من يستدعي فضولك الفنّي؟
- هنالك الكثير من الأسماء التي يصعب حصرها، ولكلّ خطّاطٍ أسلوبه في إبراز جمال الخط العربي، والعاشق لهذا الفنّ لا يحكر نفسه على أسماء معيّنة بل يتتبّع مقومّات الجمال في كلّ لوحة تقع ناظريه عليها.
* يصرف بعض الخطّاطين شطرًا من وقتهم في إنجاز مشاريع كتابية طويلة الأمد، فبعضهم ينصرف لكتابة السور القرآنيّة، وفريق منهم يعتني بكتابة القصائد العربيّة.. هل خضت تجربة كتابية من هذا النوع؟ وماذا عن مشاريعك المستقبلية بالنسبة إلى المدى القريب أو المدى البعيد؟
- يختلف الخطاطون في توجّهاتهم، فمنهم من يفضل كتابة القُصاصات القصيرة، ومنهم من يهوى كتابة النُّصوص الطَّويلة، وبالنِّسبة لي متى ما تذوّقت معنىً جميلًا تحفزّت يداي لكتابته ليكتمل جمال المبنى والمعنى، وفي النِّية مشروعان سيُحدثان نقلةً نوعية في مفهوم الخطّ العربي وتذوقّه للجمهور إن شاء الله.
* هل ظفرت بجوائز تقديرية خلال مسيرتك الإبداعية، وما هي المسابقات واللجان التحكيمية التي تحملين عضويتها؟
- لم أشارك لحدّ الآن في أيّ مسابقة، وإن كنت شاركت في عضويّة لجنة التحكيم ثلاث مرّات:
1- في المشروع الوطني للثّقافة والفنون بإشراف وزارة التعليم (مسار الخط العربي والزّخرفة).
2- في معرض (عتبات ملوّنة) الذِّي أقيم بمعرض الكتاب الدولي بجدة 2017.
3- معرض (بيهانس) العالمي 2018.
أما الجوائز التقديرية، فقد حصلت على بعضها من الجهات التالية:
- الهيئة العامة للسِّياحة والآثار، لإلقاء محاضرة عن الخط العربي في اليوم العالمي للغة العربية 2017.
- هيئة تطوير المدينة المنورة في ملتقى الخط العربي الدولي 2018 لإلقاء محاضرة بعنوان: (التَّجربة الجمالية والموقف الفنّي).
- جمعية واعي للخدمات الاجتماعية، لإقامة ورشة عن تحسين الخط العربي 2018.
- شهادة شكر وتقدير من قسم التربية الفنية في جامعة طيبة (نادي الفنون).
وأعتبر مُقلّة في الظهور مؤخرًّا.
* على صعيد آخر، نلحظ اهتمامك بالشعر والأدب، ولديك عناية بعلوم الحديث بحكم الاختصاص الأكاديمي، ما موقع هذه الاهتمامات في حياتك، وكيف تجمعين بينها؟
- أهتم بالشعر والأدب لتذوّقي اللَّغة العربيّة، وتخصصي الأساس في السُّنة النبوية وعلومها، وحاليًا أعدّ رسالة الدكتوراه فيها، وأدّرس في الجامعة، وكل هذه الاهتمامات ترتبط ببعضها، فهي تخدم المعارف الإنسانيّة، وأكتشف من خلالها الجوهر الإنساني الفريد، الذي اهتمّ به الدِّين والفن.
وإن كان التَّخصص هو الذي يأخذ جلّ وقتي، وهذا سبب قلّة ظهوري نوعًا ما في ساحة الخط العربي.
* ثلاث رسائل موجزة.. لمن توجّهينها؟
- أوجه رسالتي الأولى لكلِّ هاوٍ للخط العربي: لا تستغن عن الأستاذ والتدريب، وأوجد لك رسالة لخدمة هذا الفن.
والثانية للخطّاطّة الفنّانة: ما أحوج النِّساء اليوم إلى تعلّم الخط العربي، فذلّلي السُّبل لهنّ، واصنعي بصمة في عالم الخط العربيّ.
والثالثة لكلّ خطّاط: فنُّك لن يظهر إلا بروحك الحقيقية، فحرِّر عقلك وأطلق العنان لروحك، لتحيي الفن وتنشر الجمال.

وياحبذا لو يتكرر مثل هذا العمل مع الأساتذة الكبار أمثال الخطاط زكي هاشمي وعبيد النفيعي والزهدي وغيرهم ممن قطعوا أشواطا كبيرة في هذا المضمار
بارك الله في قلمك