"كابوس اليوم الوطني التاسع والثمانون"
رائد العودة - 23 سبتمبر - @raed_70
يتنقل بين القنوات من قناة الى قناة فيُشاهد قناة تنشْد :
سلمت يا موطن الأمجاد والكرم
يا موطني .... !
ولكن لا يدع مجال لإكمالها حتى ينتقل الى قناة أخرى تنقل بعض المظاهرات في إحدى الدول وتُسمي المتمردين بالأحرار ؛ فيرسل
ابتسامة تأييد لهم ثم يدخل عبر حسابات التواصل ويُغرد بالتأييد المبطن لهم ويكتب لهم أحرف التشجيع ويُسميهم بالأبطال.
يتناول وجبة الغداء ثم يُلاعب صغاره قبل أن يأخذ قيلولته التي اعتاد أن يأخذها في كل يوم، بعدها يخرج أبناءه أمام المنزل لكي يلعبوا مع أبناء الجيران .
يستيقظ من قيلولته ويتناول كوب قهوته ويشاهد نفس القنوات وهو يتوق ليرى التطورات تشتد والانقلابات تزداد ويتمنى أن تحدث هذه الانتفاضة الحرة - كما يسميها - في بلده، ثم يرتدي أجمل ملابسه ويغادر المنزل بعدما يطبع قُبلة على جبين أبناءه وأمه العجوز التي تسكن معه .
يتمشى في شوارع مدينته مستمعاً للموسيقى المفضلة له، وينظر لاعلانات اليوم الوطني وهو ساخرًا بلا أي سبب، فقد اعتاد على السخرية من كل شيء وطني ، تنتهي الموسيقى فيتحدث المذيع وهو يقول: مساؤكم أمن وأمان، فيبتسم ابتسامة ساخرة وهو يتمتم: " هه أمن وأمان ! "
يعود للمنزل في وقتٍ متأخر ويتناول طعام العشاء مع زوجته وأبناءه وأمه التي يُحبها أكثر من أي شيء، ثم يستعد للنوم بعد سهرة طويلة، فغدًا هو اليوم الوطني ولا يوجد عمل في الصباح.
يضبط المنبه على وقت متأخر من النهار ويغط في نومٍ عميق، ولكنه لم يستيقظ على المنبه، بل على صوت هرج ومرج، يفتح باب غرفته فيجد أبناءه وزوجته في رعب وخوف وبكاء ونظرات الإستغراب تملأ وجهه، يسأل عن الذي يحدث لكن لم تكن الألسن تجرؤ على الحديث فالرعب تمكن منهم والدخان يغطي المكان.
يفتح باب شقته فيجد جاره مُلقى على الأرض والدماء تنزف منه، يخرج للشارع فلا يرى سوى الغبار والأدخنة وأصوات الصراخ تتعالى، هذا
يستنجد وذاك يركض هائمًا بلا هدى.
يتملكه الخوف والرعب ولا تستطيع قدماه أن تحمله فيسقُط على الأرض، فلا هذا الحيّ الذي يسكن فيه ولا هذا العالم الذي اعتاد عليه.
يجرّ نفسه متثاقلاً لبيته ويُغلق الباب ويحتضن أطفاله في رعب وخوف شديدين وما هي إلا لحظات حتى يطير الباب بكل قوة فينتفض من هول الصوت، ويدخل رجال مُلثمين مسلحين بالسكاكين والعصي يجرون أطفاله من بين يديه ويقتلونهم دون أن يرف لهم جفن، فيصرخ ماذا هناك من أنتم ؟
ولكن لا اجابه، يهرب ويختبئ دون أن يلاحظونه في أحد الزوايا، وبعد أن يرحلوا يرى زوجته الحبيبة مقتولة وهي عارية ممزقة الملابس، ولم يكن حظُّ والدته بأفضل حال، فقد كانت تنزف لافظة روحها بنظرات الألم والوداع.
يحبو بثقل بعدما خارت قواه وهو يجهش بالبكاء بصوت مكتوم خشية أن يُسمع صوته، ويفتح على إحدى تلك القنوات التي اعتاد مشاهدتها ويرى الخبر الذي طالما تمنّاه ولكن لم يعرف بما سيجرّه عليه من ويلات، فقد كان الخبر الرئيس هو انتفاضة الأحرار في بلده، ينتقل إلى قناة أخرى، فثانية، فثالثة يتوق لرؤية تلك العبارة التي طالما سخر منها "صباحكم أمن وأمان" لكن لا فائدة، يخرج إلى الشارع ويرى أعلام المظاهرات التي طالما شجعهم وأيدهم وأسماهُم بالأبطال، يصرخ باكيا وهو يلطم وجهه، كيف انقلب حاله من أمن وأمان لكل ذلك، ولكن لا أحد يهتم له فكل واحد لديه ما يشغله، يتسائل مع نفسه: أين أبسط الملذات التي كان يستمتع بها،؟ أين كوب القهوة والموسيقى.؟ كيف كان الحال مثل هذا الوقت بالأمس؟
أين ساعات النوم المطمئنة؟
باتت حلمًا لا يمكن الوصول له..
وهو في غمرة الحزن يهزه ابنه بكل قوه: "بابا .. قوم يالله احتفالات اليوم الوطني بدأت"
يستيقظ من نومه ويدخل في نوبة بكاء شديد وهو سعيد بأن ذلك لم يكن سوى كابوس، ويفتح المذياع فيسمع المذيع: "مساؤكم أمن وأمان، في العيد الوطني التاسع والثامنون" يذهب لوالدته العجوز ويُقبل رأسها ثم يقول: مسائك أمن وأمان.
ثم ينشد تلك القصيدة التي لم تكتمل...
سلمت يا موطن الأمجاد والكرم
يا موطني يا رفيع القدر والقيمِ
سلمت حامٍ لهذا الدين ياوطنا
سما به المجد حتى حلّ في القممِ
لم تعرف الأرض أغلى منك ياوطنا
مشى عليه النبي الحق بالقدمِ
يا مهبط الوحي يا تاريخ أمتنا
يا مشعل النور للابصار في الظلمِ
إليك تهفو قلوب الناس قاطبة
وترتمي فيك حول البيت والحرمِ:
قال صلى الله عليه وسلم: " مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا "
اللهم احفظ أمننا وأماننا ... ومليكنا وشعبنا وبلادنا ..
كل عام والوطن بخير
رائد العودة
يتنقل بين القنوات من قناة الى قناة فيُشاهد قناة تنشْد :
سلمت يا موطن الأمجاد والكرم
يا موطني .... !
ولكن لا يدع مجال لإكمالها حتى ينتقل الى قناة أخرى تنقل بعض المظاهرات في إحدى الدول وتُسمي المتمردين بالأحرار ؛ فيرسل
ابتسامة تأييد لهم ثم يدخل عبر حسابات التواصل ويُغرد بالتأييد المبطن لهم ويكتب لهم أحرف التشجيع ويُسميهم بالأبطال.
يتناول وجبة الغداء ثم يُلاعب صغاره قبل أن يأخذ قيلولته التي اعتاد أن يأخذها في كل يوم، بعدها يخرج أبناءه أمام المنزل لكي يلعبوا مع أبناء الجيران .
يستيقظ من قيلولته ويتناول كوب قهوته ويشاهد نفس القنوات وهو يتوق ليرى التطورات تشتد والانقلابات تزداد ويتمنى أن تحدث هذه الانتفاضة الحرة - كما يسميها - في بلده، ثم يرتدي أجمل ملابسه ويغادر المنزل بعدما يطبع قُبلة على جبين أبناءه وأمه العجوز التي تسكن معه .
يتمشى في شوارع مدينته مستمعاً للموسيقى المفضلة له، وينظر لاعلانات اليوم الوطني وهو ساخرًا بلا أي سبب، فقد اعتاد على السخرية من كل شيء وطني ، تنتهي الموسيقى فيتحدث المذيع وهو يقول: مساؤكم أمن وأمان، فيبتسم ابتسامة ساخرة وهو يتمتم: " هه أمن وأمان ! "
يعود للمنزل في وقتٍ متأخر ويتناول طعام العشاء مع زوجته وأبناءه وأمه التي يُحبها أكثر من أي شيء، ثم يستعد للنوم بعد سهرة طويلة، فغدًا هو اليوم الوطني ولا يوجد عمل في الصباح.
يضبط المنبه على وقت متأخر من النهار ويغط في نومٍ عميق، ولكنه لم يستيقظ على المنبه، بل على صوت هرج ومرج، يفتح باب غرفته فيجد أبناءه وزوجته في رعب وخوف وبكاء ونظرات الإستغراب تملأ وجهه، يسأل عن الذي يحدث لكن لم تكن الألسن تجرؤ على الحديث فالرعب تمكن منهم والدخان يغطي المكان.
يفتح باب شقته فيجد جاره مُلقى على الأرض والدماء تنزف منه، يخرج للشارع فلا يرى سوى الغبار والأدخنة وأصوات الصراخ تتعالى، هذا
يستنجد وذاك يركض هائمًا بلا هدى.
يتملكه الخوف والرعب ولا تستطيع قدماه أن تحمله فيسقُط على الأرض، فلا هذا الحيّ الذي يسكن فيه ولا هذا العالم الذي اعتاد عليه.
يجرّ نفسه متثاقلاً لبيته ويُغلق الباب ويحتضن أطفاله في رعب وخوف شديدين وما هي إلا لحظات حتى يطير الباب بكل قوة فينتفض من هول الصوت، ويدخل رجال مُلثمين مسلحين بالسكاكين والعصي يجرون أطفاله من بين يديه ويقتلونهم دون أن يرف لهم جفن، فيصرخ ماذا هناك من أنتم ؟
ولكن لا اجابه، يهرب ويختبئ دون أن يلاحظونه في أحد الزوايا، وبعد أن يرحلوا يرى زوجته الحبيبة مقتولة وهي عارية ممزقة الملابس، ولم يكن حظُّ والدته بأفضل حال، فقد كانت تنزف لافظة روحها بنظرات الألم والوداع.
يحبو بثقل بعدما خارت قواه وهو يجهش بالبكاء بصوت مكتوم خشية أن يُسمع صوته، ويفتح على إحدى تلك القنوات التي اعتاد مشاهدتها ويرى الخبر الذي طالما تمنّاه ولكن لم يعرف بما سيجرّه عليه من ويلات، فقد كان الخبر الرئيس هو انتفاضة الأحرار في بلده، ينتقل إلى قناة أخرى، فثانية، فثالثة يتوق لرؤية تلك العبارة التي طالما سخر منها "صباحكم أمن وأمان" لكن لا فائدة، يخرج إلى الشارع ويرى أعلام المظاهرات التي طالما شجعهم وأيدهم وأسماهُم بالأبطال، يصرخ باكيا وهو يلطم وجهه، كيف انقلب حاله من أمن وأمان لكل ذلك، ولكن لا أحد يهتم له فكل واحد لديه ما يشغله، يتسائل مع نفسه: أين أبسط الملذات التي كان يستمتع بها،؟ أين كوب القهوة والموسيقى.؟ كيف كان الحال مثل هذا الوقت بالأمس؟
أين ساعات النوم المطمئنة؟
باتت حلمًا لا يمكن الوصول له..
وهو في غمرة الحزن يهزه ابنه بكل قوه: "بابا .. قوم يالله احتفالات اليوم الوطني بدأت"
يستيقظ من نومه ويدخل في نوبة بكاء شديد وهو سعيد بأن ذلك لم يكن سوى كابوس، ويفتح المذياع فيسمع المذيع: "مساؤكم أمن وأمان، في العيد الوطني التاسع والثامنون" يذهب لوالدته العجوز ويُقبل رأسها ثم يقول: مسائك أمن وأمان.
ثم ينشد تلك القصيدة التي لم تكتمل...
سلمت يا موطن الأمجاد والكرم
يا موطني يا رفيع القدر والقيمِ
سلمت حامٍ لهذا الدين ياوطنا
سما به المجد حتى حلّ في القممِ
لم تعرف الأرض أغلى منك ياوطنا
مشى عليه النبي الحق بالقدمِ
يا مهبط الوحي يا تاريخ أمتنا
يا مشعل النور للابصار في الظلمِ
إليك تهفو قلوب الناس قاطبة
وترتمي فيك حول البيت والحرمِ:
قال صلى الله عليه وسلم: " مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا "
اللهم احفظ أمننا وأماننا ... ومليكنا وشعبنا وبلادنا ..
كل عام والوطن بخير
رائد العودة
"وبشكر الله تدوم النِعم."
جزاك الله خيرا
اللهم احفظ امننا واماننا
لمت يداك سيد القلم
أخوك
إبراهيم مرزا